صفقة القرن أم مأساة القرن؟

أحمد غي: صفقة القرن أم مأساة القرن ؟

إن ما يسمى بصفقة القرن و التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل شهور بشكل أحادي مع الجانب الإسرائيلي و من وقفت في خندقه من الأنظمة العربية -و مضمونها باختصار: تسوية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، و إقامة دولة فلسطينية بلا سيادة و لا جيش، و نزع سلاح حماس في غزة…- تلخص كل الحكاية المأساوية للنظام العالمي و واقع الدول الإسلامية …

غطرسة أمريكية تدوس على كل القيم الانسانية و الحقوق الطبيعية و المواثيق الدولية؛ فتجعل من المحتل الظالم ضحية، و من تكريس احتلاله سلاما، و من مقاومته إرهابا.

 ثم العالم كله أصم أبكم امام هذا الظلم الفاحش الذي اصبح فيه الظالم ضحية؛ يحظى من العالم المنافق و على راسه امريكا بمنتهى الدعم و العتاية، و اصبح فيه المظلوم إرهابيا خطيرا؛ يتداعى عليه الشرق و الغرب لتجريمه و معاقبته بالشيطنة و الحصار و التجويع و السجن و القتل…

و من جانب آخر تشتت كبير و ضعف شديد و هوان صارخ للمسلمين و العرب منهم بالخصوص نزلت من التنديدات الباردة -التي لا يترتب عليها فعل مقاوم على الأرض في مثل هذه الحالات- إلى التواطئ الفعلي من بعضهم في تصفية القضية الفلسطينية و وادها؛ فالإمارات و البحرين و عمان تشارك بحضور رسمي في مراسيم الدفن (دفن القضية الفلسطينية تصوريا، و الله غالب على أمره)، و مصر تبارك خطوة الاغتيال، و السعودية تهمهم بكلمات غامضة خجولة لا تفهم منها القبول و لا الرفض، لكن رائحة التطبيع تنم من حولها بل اصبح حقيقة ماثلة للعيان ؛ فهناك زيارات متبادلة بين الإسرائيليين و السعوديين، و وسم المقاومة الإسلامية في فلسطين بالإرهاب، و إعلان ان للإسراييلين حق العيش في أرضهم بسلام من ابن سلمان، ثم توظيف رجال الدين في الترويج لعملية التطبيع و تهيئة الرأي العام السعودي عليه؛ فجاءت هنا زيارة وفد رابطة العالم الإسلامي لمعسكرات الإعتقال النازية في بولندا و لقائه باقطاب الحركة الصهيونية، ثم ترجمة عبرية محرقة للمصحف تروج للرواية الإسرائيلية.

و هذا المستوى من الجبروت و الغطرسة ما وصلت إليه أمريكا شرطة العالم لسوء حظه ؛ فساد الظلم و الظلمة و ضاعت الحقوق و المضطهدون..

و هذا المستوى من التدني و الانحطاط و الخيانة للأمة و العمالة للعدو ما وصلت إليه أنظمة عربية عديدة خذلت فلسطين و باعت ارضها التي تحتضن ثالث حرم المسلمين و مسرى الرسول الكريم -صلى الله عليه و سلم بثمن بخس؛ عروش زائلة زائفة تروي عطشهم الجهنمي للسلطة لفترة محدودة، ثم مصيرهم في مزابل التاريخ أو على مشانق الثوار غير مأسوف عليهم.

فلم يبق امام الفلسطينين إلا الرهان على الشعوب المسلمة التي ما زالت على ولائها للإسلام و المسلمين و التي يمكنها الضغط على حكوماتها العميلة لاتخاذ موفف مشرف رغم انفها تجاه القضية الفلسطينية، و كذلك على احرار العالم من شتى الديانات و الأيدلوجيات و الحضارات للضغط على انظمتهم كذلك، ثم على توحيد البيت الفلسطيني بإنهاء الانقسام و تبنى خيار المقاومة كخيار وحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، بعد ما برهن مسار التفاوض على فشله فلم يستعد ارضا مغتصبا و لم ينتزع حقا مضيعا؛ فالعالم لا يعرف إلا منطق القوة و لا يحترم إلا الأقوياء.

أحمد غي طالب في جامعة المصطفى العالمية فرع السنغال